عبد الرحمن بدوي
312
أرسطو عند العرب
ولست أظن أنى أحتاج إلى حجة في أن الأول - وإن كان بعضها ينحل إلى بعض - مولّد للاثنين بالطبع ، وليس هما مولدين له . وذلك أنه قد يوجد لزوم الوجود لأشياء كثيرة منعكسا ، وسبب أحد الشيئين موجود عن الآخر ، وهذا أحد ضروب المتقدم بالطبع إن نحن ذكرنا ضروب المتقدم بالطبع التي عددت في كتاب « المقولات » . فإنه متى طالب مطالب بالعلة التي لها صارت مقدمة الضروب المنتجة من الشكل الثاني العظمى أبدا كلية ، ومقدمة الشكل الثالث الصغرى أبدا موجبة ، لم يسهل عليه أن يجد لذلك سببا إلا كونهما من الشكل الأول . فإن المقدمة الكبرى العظمى في الشكل الأول متى انعكست أحدثت الشكل الثاني ، والمقدمة الصغرى متى انعكست أحدثت الشكل الثالث ؛ وذلك لأنه يعرض في الشكل الأول إذا كان الضرب من ضروبه منتجا أن تكون المقدمة العظمى أبدا كلية ، والصغرى أبدا موجبة ، وجميع ما يستخرج منه في كل واحدة من المقدمتين يحفظ خواصه . والأمر في أن ليس الشكل الأول والشكلان الباقيان بالطبع على مثال واحد ، وفي أن الاثنين عن الأول - تبين من هذه الجهة . غير أن الشكلين - أعنى الثاني والثالث - ليسا لهذه العلة غير نافعين من جميع الجهات ، ولا هما من الفضل « 1 » أصلا ، بل لهما منفعة ما تخصّهما سنبينها فيما بعد إذا ما علمنا أنهما صحيحان لجهة أخرى غير استنادهما « 2 » إلى الشكل الأول . وقد يلزمنا حينئذ أن نطلب السبب الذي له احتاج إليهما أرسطوطاليس ، وهما مقصران عن إكمال فعل البرهان . والآن ، فبيّن أن انعكاس المقدمات إذا سلم لزم على حال أن يكون الشكلان الثاني والثالث عن الشكل الأول بالطبع ، وإن كان قد يمكن في الثلاثة أن ينحل بعضها إلى بعض . ولننظر فيما يسأل عنه مقسّما ، ونقول : هل ما يكون من الشكل الأول في إحداث البرهان مساويا وواحدا بعينه لما يكون من الشكلين الحادثين عن انعكاس مقدماته ، أم أكثر ، أم أقل ؟ فإنا نجد ذلك واحدا بعينه من غير أن يكون اشتقاقهما منه باطلا « 3 » . وذلك أنه إنما كان يكون باطلا لو لم تكن منهما منفعة أصلا . وإن كان ما يكون من الأول وما يكون من الشكلين الآخرين واحدا بعينه فليس ذلك بباطل ، لكن في هذا الموضع
--> ( 1 ) الفضل : الفضول ، الزائد . ( 2 ) ص : أن ؟ ؟ ؟ هما . ( 3 ) فوقها : عبثا .